من الداخل، لن تتوقع أبداً أن هذا المنزل يقع في واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في ساو باولو. فقد وُلد تصميمه الرحب من تحدٍّ واضح: عائلة أرادت العيش في قلب المدينة، من دون التخلي عن الإحساس بأنها محاطة بالخضرة والضوء والهدوء. قامت شركة الهندسة المحلية Fernanda Marques Arquitetura بتطوير المشروع بطريقة حدسية. تقول ماركيز:
«ما وجّهني في التصميم كان رغبة المالكين في منزل يستطيع احتضان إيقاعات مختلفة في الوقت نفسه، بحيث تتيح المساحات التفاعل الاجتماعي، وفي الوقت ذاته توفر الهدوء ولحظات العمل الخاصة». وتضيف: «كانت هناك نية واضحة لخلق بيئة تتلاشى فيها الحدود بين الداخل والخارج».
ومع مرور الوقت، وبينما كانت ماركيز تختبر أفكارها لتصميم هذا المنزل في ساو باولو، بدأ مفهوم متماسك بالظهور: حوار بين الكتل والفراغات، تتشابك فيه العناصر بطريقة تحدد الظلال مقابل الضوء، والمساحات المحمية مقابل الإطلالات المفتوحة على اتساعها. عندها تذكّرت المعمارية شيئاً من طفولتها. تقول:
«أدركت أن المنزل كان ينظّم نفسه بشكل طبيعي ضمن كتل منفصلة، بعضها مرتفع، وبعضها الآخر بارز ومعلّق، ما خلق توازناً ديناميكياً. وقد ذكّرني ذلك فوراً بهياكل الليغو التي كنا نبنيها في طفولتنا، حين كنا نكدّس القطع ونكتشف معنى التوازن».

المنزل المكتمل في ساو باولو يحمل اسماً ساحراً هو “كازا ليغو”. يمتد المنزل على ثلاثة طوابق، ويضم أربع أجنحة نوم مستقلة، يحتوي كل منها على حمّامه الخاص وغرفة ملابس منفصلة. كما يضم مسبحين، أحدهما داخلي والآخر خارجي، يمكن رؤيته من معظم أنحاء المنزل، بالإضافة إلى حديقة مزروعة بأنواع نباتية استوائية.
توضح ماركيز: «كان المطلوب تصميم منزل يستطيع أن يعزل نفسه عن ضوضاء المدينة، مع الحفاظ على تواصله مع الضوء والطبيعة». وتضيف: «تم تصميم المساحات الخضراء بحيث تمنح إحساساً غامراً، يعزز فكرة أن المنزل محاط بالكامل بالطبيعة. لم يكن الهدف إنشاء حديقة رسمية وتقليدية، بل مشهد حي ومتغيّر يتفاعل باستمرار مع العمارة».
أما على السطح، فتساهم الزراعة في تعزيز الراحة الحرارية، بينما تزيد في الوقت نفسه من تلاشي الحدود بين الكتلة المعمارية والطبيعة المحيطة.
.jpg)

فرض التصميم الانسيابي للمبنى أهمية خاصة للخامات والمواد المستخدمة. فقد تم تغليف جزء كبير من الواجهة بخشب رقائقي مصفّح ذي ألواح طولية، وهي مادة تتكرر أيضاً في الأسقف، وكذلك في عناصر التظليل المعماري Brise-Soleils في الطابق العلوي. تقول ماركيز:
«تساهم عناصر التظليل هذه في تحقيق تحكم بيئي سلبي، من خلال تحسين التهوية وتقليل اكتساب الحرارة الشمسية». وتضيف: «الاستدامة هنا لم تُعامل كإضافة ثانوية، بل كنتيجة طبيعية لقرارات التصميم نفسها».
وقد استُخدم حجر الترافرتين بكثافة، سواء داخل المنزل أو في المسبح، لإضفاء إحساس بالثبات والهدوء. أما حجر الـ«موليدو» ذو الملمس الخشن، فقد أضاف جودة حسية تكاد تكون بدائية، ما منح العمارة جذوراً أكثر ارتباطاً بالمشهد الطبيعي المحيط.
وإلى جانب هذه المواد، تبرز لمسات دقيقة تعزز الإحساس بالفخامة الهادئة؛ إذ يتميز المدخل السفلي للمنزل بتكوين شبكي مستوحى من أعمال Piet Mondrian، مكوَّن من أبواب من فولاذ الكورتن والزجاج المحبّب. وتصف ماركيز هذا العنصر بأنه «لا يعمل فقط كعتبة وظيفية، بل كتدخل بصري ذي طابع فني يكاد يكون أقرب إلى العمل التشكيلي».


ولإضفاء إحساس بالدفء وقابلية العيش على المساحات الداخلية، ركّزت ماركيز على الخامات الترابية والألوان الحيادية، مع تصميم نظام إضاءة مخفي داخل الألواح الخشبية يعمل على إبراز الأسطح والعناصر المحورية في الفراغ. وتقول:
«الضوء بالنسبة لي مادة أساسية تماماً مثل الفولاذ أو الخشب. فهو يشكّل المساحة، ويكشف الملامس، ويمنح العمارة الحياة».
وتضيف: «أدخلت الألوان بطريقة مدروسة جداً، من خلال قطع أثاث وأعمال فنية محددة، بحيث تبدو وكأنها علامات ترقيم داخل الفراغ، لا حضوراً دائماً ومستمراً».



يجمع الأثاث بين التصميم البرازيلي والإيطالي، من أعمال مصممين مثل Gustavo Neves وAntonio Citterio. وتقول ماركيز:
«معظم قطع الأثاث تتبع لغة تصميمية هادئة ومتحفّظة، بخطوط نظيفة وحضور نحتي، لكن بعض العناصر تضيف لحظات دقيقة من التباين».
ومن بين هذه العناصر، يبرز الدرج المعدني المطلي بلون الغرافيت، والذي يشكّل بتكوينه الحلزوني نقطة مقابلة للعمارة الخطية للمنزل. كما تبرز الجزر الداخلية والفتحات المخصصة للعرض والمكسوة برخام كليمنجارو الأسود الفاخر، والتي تضفي لمسة من الفخامة القوية.
أما على التراس، فتضيف قطع الأثاث من تصميم Paola Lenti حضوراً لونياً يعمل كعنصر رابط بين المساحات، بما في ذلك طاولة قهوة مصنوعة يدوياً من البلاط، تمنح المكان إحساساً بالتفرّد والخصوصية.



تمنح الأعمال الفنية، سواء تلك التي اقتنتها العائلة حديثاً أو القطع الموجودة مسبقاً ضمن مجموعتها الخاصة، بعداً عاطفياً عميقاً للمساحات. وتُعد الفنانة البرازيلية Beatriz Milhazes المفضلة لدى العائلة، حيث تشكّل لوحتها الضخمة والمفعمة بالألوان لحظة بصرية مكثفة داخل مساحة المعيشة الرئيسية.
كما تضيف أعمال الرسام الياباني-البرازيلي Takashi Fukushima مزيداً من العمق إلى السرد البصري للمكان؛ إذ وُضعت إحدى لوحاته إلى جانب الدرج الحلزوني شبه الخالي من الزخرفة، بينما استندت الأخرى على حامل فني داخل غرفة المعيشة. وتوضح المعمارية:
«تم التفكير في ذلك بعناية كوسيلة لمنح العمل الفني حضوره الكامل وجذب الانتباه إليه».
وتختتم قائلة:
«هذا مشروع تتمحور فيه العمارة حول الإدراك — حول كيفية انكشاف المساحات، وكيف تتحرك الإضاءة، وكيف تتقدّم المواد في العمر مع الزمن. هناك دائماً حوار بين الدقة والنعومة، بين ما هو مشيَّد وكيف يتغيّر مع الوقت».









المصدر: admiddleeast.com
Copyright © 2026. Azayzeh. All rights reserved.